الشنقيطي
66
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
تشريعه ؛ ولذا سمى اللّه تعالى الذين يطاعون فيما زينوا من المعاصي شركاء في قوله تعالى : وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ [ الأنعام : 137 ] الآية . وقد بين النبي صلّى اللّه عليه وسلّم هذا لعدي بن حاتم رضي اللّه عنه لما سأله عن قوله تعالى : اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ [ التوبة : 31 ] الآية - فبين له أنهم أحلوا لهم ما حرم اللّه ، وحرموا عليهم ما أحل اللّه فاتبعوهم في ذلك ، وأن ذلك هو اتخاذهم إياهم أربابا . ومن أصرح الأدلة في هذا : أن اللّه جل وعلا في سورة النساء بين أن من يريدون أن يتحاكموا إلى غير ما شرعه اللّه يتعجب من زعمهم أنهم مؤمنون ، وما ذلك إلا لأن دعواهم الإيمان مع إرادة التحاكم إلى الطاغوت بالغة من الكذب ما يحصل منه العجب ؛ وذلك في قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً ( 60 ) [ النساء : 60 ] . وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور : أن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه اللّه جل وعلا على ألسنة رسله صلى اللّه عليهم وسلم ، أنه لا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس اللّه بصيرته ، وأعماه عن نور الوحي مثلهم . تنبيه اعلم أنه يجب التفصيل بين النظام الوضعي الذي يقتضي تحكيمه الكفر بخالق السماوات والأرض ، وبين النظام الذي لا يقتضي ذلك . وإيضاح ذلك - أن النظام قسمان : إداري ، وشرعي . أما الإداري الذي يراد به ضبط الأمور وإتقانها على وجه غير مخالف للشرع ، فهذا لا مانع منه ، ولا مخالف فيه من الصحابة ، فمن بعدهم . وقد عمل عمر رضي اللّه عنه من ذلك أشياء كثيرة ما كانت في زمن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ ككتبه أسماء الجند في ديوان لأجل الضبط ، ومعرفة من غاب ومن حضر كما قدمنا إيضاح المقصود منه في سورة « بني إسرائيل » في الكلام على العاقلة التي تحمل دية الخطأ ، مع أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم يفعل ذلك ، ولم يعلم بتخلف كعب بن مالك عن غزوة تبوك إلا بعد أن وصل تبوك صلّى اللّه عليه وسلّم . وكاشترائه - أعني عمر رضي اللّه عنه - دار صفوان بن أمية وجعله إياها سجنا في مكة المكرمة ، مع أنه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يتخذ سجنا هو ولا أبو بكر . فمثل هذا من الأمور الإدارية التي تفعل لإتقان الأمور مما لا يخالف الشرع - لا بأس به ؛ كتنظيم شؤون الموظفين ، وتنظيم إدارة الأعمال على وجه لا يخالف الشرع . فهذا النوع من الأنظمة الوضعية لا بأس به ، ولا يخرج عن قواعد الشرع من مراعاة المصالح العامة .